توصل الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف و وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية بمراسلة موضوعها : حول تفعيل مسطرة الصلح كبديل عن الدعوى العمومية.
تضمنت ما يلي:
لا يخفى عليكم أن القانون رقم 03.23 المغير والمتمم لقانون المسطرة الجنائية تضمن مستجدات جوهرية همت مسطرة الصلح، والتي عملت هذه الرئاسة على إبراز خطوطها العريضة من خلال المنشور رقم 25 الصادر عنها بتاريخ 10 نونبر 2025. حيث انصرفت نية المشرع من خلال التعديلات المدخلة على المادتين 41 و1-41 من قانون المسطرة الجنائية المنظمتين للصلح إلى تعزيز دور النيابة العامة في تفعيل هذه المسطرة البديلة عن الدعوى العمومية، وتوطيد دعائم العدالة التصالحية.
وهكذا، فقد أضحى مخولا لوكلاء الملك أن يقترحوا الصلح بصفة تلقائية على الطرفين، والسعي إلى تحقيقه بينهما أو إمهالهما لذلك، مع إمكانية اللجوء إلى الوساطة لإنجاح مسطرة الصلح، بأن يُعهد به إلى وسيط أو أكثر يقترحه الأطراف أو يختاره وكيل الملك، أو أن تُسند مهمة إجرائه إلى محامي الطرفين، كما يمكن الاستعانة في هذا الصدد بخدمات مكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة. أما في حالة عدم وجود مشتك، أو في حالة عدم حضور المتضرر وثبوت تنازله كتابة، فيمكن لوكيل الملك اقتراح صلح يتمثل في أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونًا، أو إصلاح الضرر الناتج عن الفعل الجرمي، مع تحرير محضر بذلك والسهر على التحقق من تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
ولتعزيز فرص تطبيقه، فقد وسع القانون المذكور من نطاق الجرائم القابلة للصلح، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على الجنح الضبطية، بل امتد ليشمل مجموعة من الجنح التأديبية التي تتجاوز العقوبة المقررة لها سنتين حبسا، وهي الجرائم المحددة على سبيل الحصر بمقتضى المادة 41-1 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تندرج فيها أكثر الجنح ارتكابا وعرضا على النيابات العامة، كالضرب والجرح والسرقة والنصب وخيانة الأمانة وغيرها من الجنح، الأمر الذي يبرز توجه نية المشرع إلى توسيع مجال التصالح بين الضحية ومرتكب الفعل الجرمي وتفادي إقامة الدعوى العمومية عند تسوية النزاع بين الطرفين.
كما خولت الفقرة الثالثة من المادة 461 من قانون المسطرة الجنائية تطبيق مسطرة الصلح في حالة ارتكاب جنحة من طرف طفل في نزاع مع القانون، وذلك وفقا للشروط والكيفيات المنصوص عليها في المادتين 41 و1-41 من نفس القانون، الأمر الذي يقتضي الاستحضار الدائم للمصلحة الفضلى للطفل والسعي إلى حصول الصلح بينه (أو بين وليه القانوني) والمتضرر من الفعل الجرمي ما سيمكن من الحيلولة دون متابعة الطفل لضمان بقائه في وسطه الطبيعي.
ورغم أن التعديلات المشار إليها أعلاه الواردة في القانون رقم 03.23 لم تدخل حيز التنفيذ إلا بتاريخ 08 دجنبر 2025، إلا أن بعض مسؤولي وقضاة النيابة العامة أبانوا عن إدراكٍ عالٍ بأهمية الصلح في تدبير قضايا المواطنين وبدوره المركزي في ترشيد إقامة الدعاوى العمومية أمام القضاء الزجري، حيث أفضى ذلك إلى تحسن ملحوظ في مؤشرات الأداء المتعلقة بعدد الأشخاص المستفيدين من مسطرة الصلح، إذ انتقل عدد حالات الاستفادة من 8219 مستفيدا خلال سنة 2023 إلى 15862 خلال سنة 2024، لتعرف سنة 2025 تحقيق نسبة ارتفاع مهمة حيث بلغ عدد المستفيدين من الصلح 21963 شخصا (بنسبة ارتفاع تقدر ب 38%) .
وإذا كان هذا التحسن المسجل في المؤشرات المتعلقة بتفعيل مسطرة الصلح يبرز حرص أغلب النيابات العامة لدى المحاكم الابتدائية على تفعيل هذه المسطرة وفقا لأولويات السياسة الجنائية المحددة من قبل هذه الرئاسة، وهو ما يستحق التنويه والإشادة ببعض مسؤولي وقضاة النيابة العامة الذين سجلوا نتائج متميزة سواء في عدد حالات الصلح المنجزة أو المبالغ المالية المهمة المستخلصة في إطار الغرامة التصالحية، فإن بعض النيابات العامة الأخرى لا زالت تسجل حالات محدودة لا تتناسب مع عدد القضايا المعروضة أمامها، وهو ما يقتضي منها بذل المزيد من الجهود، لا سيما في ضوء المستجدات التشريعية الجديدة التي حرص المشرع من خلالها على تبسيط شروط تفعيل مسطرة الصلح، سواء من حيث تجاوز الإكراه المادي المرتبط بتمكين وكيل الملك من اقتراح أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونًا، أو من حيث تجاوز الإكراهات الإجرائية المتجلية في إلغاء مسطرة المصادقة على الصلح، حيث وفقا للمقتضيات الجديدة يصبح هذا الأخير نافذًا بمجرد تحرير محضر بذلك من طرف وكيل الملك أو أحد نوابه وفقا للشكليات المحددة قانونًا، وبتنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
واعتبارا للمكانة المحورية التي تحتلها مسطرة الصلح في تنفيذ السياسة الجنائية، لما لها من دور في تعزيز حماية حقوق الضحايا، والمساهمة في تحقيق النجاعة القضائية من خلال تقليص عدد القضايا الزجرية المعروضة على المحاكم، فإني أدعوكم إلى ما يلي:
أولا: استحضار الصلح كأولوية مركزية في تنفيذ السياسة الجنائية، وكهدف أساسي في تدبير القضايا الزجرية من خلال المبادرة إلى اقتراحه على الأطراف أو الاستجابة لطلب إجرائه كلما تبين لكم توفر مبرراته القانونية المحددة في المادتين 41 و1-41 من قانون المسطرة الجنائية، والمادة 461 من نفس القانون إذا كان الأمر يتعلق بطفل في نزاع مع القانون؛
ثانيا: تفعيل الوساطة بين الأطراف وفقا للغايات التشريعية، وتخويل الوسطاء المهلة الكافية لإنجاح محاولات الصلح بين الأطراف، وذلك بما يضمن حقوق الجميع ويساهم في تعزيز مبادئ العدالة التصالحية؛
ثالثا: تقدير قيمة الغرامة التصالحية وفق الضوابط المحددة في المادة 1-41 من قانون المسطرة الجنائية، بألا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجريمة المرتكبة، أو إصلاح الضرر الناتج عنها؛
رابعا: تتبع تنفيذ التزامات الصلح المتفق عليها داخل الآجال المحددة، واتخاذ المتعين قانونا عند الإخلال بها أو عند ظهور عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية؛
خامسا: مواصلة موافاة رئاسة النيابة العامة بالمعطيات الإحصائية ذات الصلة بتفعيل مسطرة الصلح من خلال الحرص على ملء الاستبيان المتعلق بوضعية الأشخاص المقدمين بتطبيقية تدبير الإحصائيات، مع التأكيد على أن النتائج المحققة سيتم اعتمادها في تقييم الأداء الخاص بكل نيابة عامة.
ونظرا لأهمية التوجيهات التي تتضمنها هذه الدورية، ولما لتفعيلها من دور في تعزيز تفعيل مسطرة الصلح الزجري، فإني أدعوكم إلى تعميم فحواها على نوابكم، وحثهم على التقيد بها، والسهر على التنزيل السليم لإرادة المشرع عند إعادة تنظيمه لمسطرة الصلح بموجب المادتين 41 و1-41 من قانون المسطرة الجنائية، مع موافاتي بكل الصعوبات أو الإشكالات التي قد تعترضكم عند التطبيق.
والله ولي التوفيق
والسلام.




