حملت بعض وسائل الإعلام الوطنية المشهورة انباء حول تصرفات مشينة في حق عاملات بشركة نارسا، و هي كالتالي:
مستخدمات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية يعشن يوميًا تحت وطأة الإساءة و العنف النفسي و الاجتماعي و التمييز، و في ظل تصرفات مسؤولين لا يرقون لأدنى معايير المهنية و الإنسانية. هذا الوضع غير مقبول، و يتطلب تحركًا عاجلًا لحماية حقوق المرأة و ضمان كرامتها في العمل.
في الوقت الذي شدد فيه صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله و أيده في أكثر من مناسبة (خطاب الملك في قمة المناصفة بين الرجل و المرأة و خطاب الملك حول مدونة الأسرة و تحديثها و غيرها…) على ضرورة صون كرامة المرأة العاملة و تمكينها من حقوقها المهنية كاملة، و على جعل المساواة و الإنصاف داخل فضاءات العمل ركيزة أساسية للتنمية، تبرز داخل بعض الإدارات مفارقة مؤلمة بين التوجيهات الملكية و الواقع المهني اليومي. فالمبادئ التي يدعو إليها جلالته، و التي تقوم على احترام المرأة و تثمين دورها داخل المجتمع و الإدارة، يفترض أن تُترجم إلى ممارسات ملموسة داخل المؤسسات العمومية، لا أن تبقى مجرد شعارات تُرفع في المناسبات. و من هنا تطرح وضعية بعض المستخدمات داخل الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية تساؤلات مشروعة حول مدى التزام بعض المسؤولين بتجسيد هذه التوجيهات في أساليب التدبير اليومي، بما يضمن بيئة عمل قائمة على الاحترام و الإنصاف و تقدير كفاءة المرأة العاملة.
رغم التزامات المغرب الدولية بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) و إعلان بكين، و تجسيد هذه الالتزامات دستورياً عبر نصوص واضحة خاصة المادة 19 من الدستور المغربي لسنة 2011 تكرس المساواة بين الجنسين علما أن أي تجاوز أو إساءة من أي مسؤول أو زميلة هو انتهاك صريح للدستور و القانون، و يجب مواجهته بكل الوسائل القانونية الممكنة، يظل الواقع اليومي لبعض المستخدمات في الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بعيدًا كل البعد عن هذه المبادئ. فبعد ثلاثة أيام من الاحتفال باليوم العالمي للمرأة و تكريم المستخدمات، وجدن أنفسهن سريعًا أمام أساليب ضغط و تعنت من أحد المسؤولين بالوكالة بالرباط، تقلل من كفاءتهن و تهمش دورهن و فاعليتهن في المؤسسة، بأساليب تفتقر إلى المهنية و الأخلاق الإدارية الصرفة.
هذه الفجوة الصارخة بين الالتزامات الدولية و الشعارات الرسمية، و بين الواقع اليومي داخل الوكالة، تؤكد أن تكريم المرأة في أيام معدودة ليس كافيًا، و أن هناك حاجة ماسة إلى تطبيق صارم للسياسات التي تحمي حقوق المرأة و تضمن لها بيئة عمل عادلة و مهنية.
رغم الاحتفال الرمزي و المبادرات الرسمية، لا تزال المؤسسات الدولية و الوطنية ترفع شعارات التقدير و الاحترام بمناسبة International Women’s Day، يفترض أن تتحول هذه المناسبة إلى لحظة حقيقية للاعتراف بدور المرأة داخل فضاء العمل. غير أن ما حدث داخل الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية في الأيام التي تلت هذا الاحتفال يطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى احترام هذه القيم في الممارسة اليومية. فبعد أيام قليلة فقط من كلمات الإشادة و التكريم، وجدت عدد من المستخدمات أنفسهن أمام واقع مختلف تمامًا، واقع تطبعه ممارسات تسيير قاسية و غير مهنية من طرف أحد المسؤولين، تتجلى في أسلوب ضغط متواصل و تعامل يتسم بالعناد و التشدد، بشكل ينعكس سلبًا على المناخ المهني و على نفسية العاملات.
إن ما يثير القلق الشديد هو أن هذه الممارسات تستهدف بشكل متكرر مستخدمات يشكلن الجزء الأكبر من الفريق، و هن نساء عُرفن بجدية عملهن و تفانيهن و إخلاصهن للمرفق العمومي، بشهادة زملائهن في المصالح المركزية و الخارجية، و أيضًا بشهادة المرتفقين، أفرادًا معنويين أو ذاتيين. لكن بدل تثمين جهودهن و تشجيع عطائهن، يواجهن أساليب تهديد بالعقوبات التأديبية، إضافة إلى تدبير يومي يزرع التوتر و يقوض روح العمل الجماعي، من خلال التفاضل المجحف و الحيف الواضح في توزيع المهام و معالجة الملفات اليومية و غيرها من المسؤوليات.
و حسب مصدر مطلع، فإن جميع المستخدمات بالمصلحة المعنية، دون استثناء، يعشن ظروفًا مهنية متوترة و امتعاضًا شديدًا نتيجة تصرفات هذا المسؤول، و يواجهن ضغوطًا نفسية كبيرة جراء هذه السلوكيات المشينة، التي تفتقر إلى أدنى معايير المهنية و المروءة، خاصة من مسؤول من جنس ذكر لم يكلف نفسه حتى الاعتبار بالأيام الرمضانية المباركة، ناهيك عن اليوم العالمي للمرأة الذي يُحتفى به دوليًا و وطنيا والذي تلتزم فيه الدولة بحفظ و صون كرامة المرأة.
و في رد صريح، عبّرت المتضررات عن رغبتهن الجامحة و الواضحة إما في تغيير هذا المسؤول عن رئاسة المصلحة، أو في المغادرة الجماعية للمصلحة كحل أخير. و هذا الموقف، بعيدًا عن أي تهرب أو رفض للواجبات، يعكس حسن نية المستخدمات و التزامهن بالعمل بكل مسؤولية، و استعدادهن لتنفيذ أي مهمة تُسند إليهن ضمن اختصاصات المصلحة، مع احترام القوانين و الأنظمة الداخلية للوكالة.
هذه الممارسات لا تشكّل مجرد إخلال بالمهنية، بل تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق المستخدمات و تقويضًا لقيم العدالة و الإنصاف داخل الوكالة، بما يهدد استقرار بيئة العمل و يؤثر بشكل مباشر على جودة الأداء المؤسسي.
إن الإدارة الحديثة لا تقاس بسلطة المسؤول و لا بقدرته على فرض الضغط، بل بقدرته على خلق بيئة عمل يسودها الاحترام و التقدير المتبادل. أما حين تتحول المسؤولية إلى وسيلة للتضييق أو التقليل من قيمة الموظفين، فإن ذلك لا يسيء فقط إلى العاملين، بل يسيء أيضًا إلى صورة المؤسسة نفسها.
المفارقة المؤلمة هي أن المرأة التي يتم الاحتفاء بها في الخطابات الرسمية، تجد نفسها بعد أيام قليلة فقط أمام ممارسات تناقض كل تلك الشعارات. فالتكريم الحقيقي لا يكون بالصور و الاحتفالات، بل بالاحترام اليومي داخل فضاء العمل.
إن ما يحدث اليوم يستدعي وقفة تأمل حقيقية داخل المؤسسة، لأن كرامة نساء الوكالة ليست موضوعًا هامشيًا، بل هي أساس أي إدارة تحترم نفسها و تؤمن بقيم المساواة و العدالة المهنية. فالمرأة العاملة لا تحتاج إلى يوم رمزي للتكريم، بل تحتاج إلى بيئة عمل عادلة تحمي كرامتها و تقدر كفاءتها، بعيدًا عن أي ممارسات تضييق أو أساليب تسيير لا تنسجم مع أبسط المبادئ المهنية و الأخلاقية.
فإلى متى ستظل مستخدمات مشهود لهن بالكفاءة، و الأخلاق العالية و التكوين الأكاديمي المتقدم، ضحايا لانتهاكات واضحة و ممنهجة، تقابل صرخاتهن المستمرة منذ ما يزيد عن سنة من العمل و الكد و الاجتهاد، بغض الطرف عن كل ما يحدث من طرف الإدارة ؟ كيف يُسمح بأن تُترك النساء يعانين تحت الضغط النفسي و الاجتماعي، في حين أن مسؤولياتكم واضحة و صريحة؟ هل أصبح الصمت و التواطؤ جزءًا من سياسة الإدارة ؟ اليوم، الكلمات الرسمية و الصور الرمزية لم تعد كافية؛ المطلوب إنصاف فوري و محاسبة المسؤول المنتهك، و ضمان بيئة عمل تحمي كرامة المرأة و تحترم القانون و الدستور. فإما العمل بمسؤولية، و إما مواجهة عار التواطؤ الذي تراقبه الأنظار العامة.
المصدر: جورنال 24 و كود




