Uncategorizedعلوم
أخر الأخبار

حدود استعمال الوسائل الإلكترونية في البحث والتحقيق الجنائي .. أي توازن في ظل القانون

بقلم : إكرام رياض

باحثة في العلوم الجنائية و التحولات الرقمية بجامعة ابن طفيل القنيطرة

عرفت العدالة الجنائية تحولات جوهرية نتيجة تطور أنماط الجريمة وتنامي الإلتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، مما فرض مراجعة الإطار الإجرائي المنظم للمسطرة الجنائية. وأمام محدودية القانون رقم 22.01 وعدم قدرته على مواكبة هذه التحولات، بادر المشرع المغربي إلى إطلاق ورش إصلاحي واسع، تعزز بدستور 2011 الذي كرس ضمانات أساسية كقرينة البراءة والمحاكمة العادلة واستقلال القضاء، إلى جانب التوجيهات الملكية الداعية إلى تحديث السياسة الجنائية وتجويد التشريعات.
وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية كلبنة مركزية لإعادة هيكلة العدالة الزجرية، من خلال تعزيز ضمانات الدفاع، وتحديث وسائل الإثبات، وتوسيع مجال الرقمنة، واعتماد بدائل للاعتقال والعقوبة. كما أن تقنين استعمال الوسائل الإلكترونية لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة مسار تدريجي توجته التجارب العملية، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، مما أكد ضرورة إدماج التكنولوجيا لضمان فعالية واستمرارية المرفق القضائي. وإزاء هذا التوجه التشريعي نحو توسيع استعمال الوسائل الإلكترونية في المسطرة الجنائية، يثار التساؤل حول مدى ملاءمة هذه الوسائل مع ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، ومدى قدرة المشرع على تحقيق التوازن بين متطلبات النجاعة الإجرائية وحماية الحقوق والحريات الفردية.

أحدث القانون رقم 03.23 تحولا بنيويا في المسطرة الجنائية، في سياق الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة الجنائية، حيث تبنى المشرع توجها واضحا نحو توسيع نطاق استعمال الوسائل الإلكترونية والرقمية في مختلف مراحل الدعوى العمومية، من البحث التمهيدي إلى التحقيق والمحاكمة والتنفيذ. وقد تجسد هذا التحول أساسا في تحديث محاضر الضابطة القضائية، من خلال إضفاء المشروعية على المحاضر الإلكترونية والتوقيع الرقمي، وتوسيع البيانات التعريفية للأطراف، بما يؤسس لإطار قانوني مزدوج يجمع بين الشكلين التقليدي والرقمي للمحضر. كما شمل التحديث إجراءات البحث، لاسيما في حالات التلبس، عبر إدماج البحث المالي، وحجز الأدلة الرقمية، والتفتيش المعلوماتي للأجهزة واسترجاع المعطيات المشفرة أو المحذوفة، مع إخضاع هذه العمليات لرقابة النيابة العامة واحترام السر المهني وحقوق الغير. وإلى جانب ذلك، استحدث المشرع تقنيات بحث خاصة، وعلى رأسها تقنية الاختراق، كآلية استثنائية لمكافحة الجرائم الخطيرة، محاطة بضمانات شكلية وموضوعية دقيقة، توازن بين متطلبات النجاعة الزجرية وحماية الحقوق والحريات الفردية. كما أقر نظاما صارما لاعتراض الاتصالات والتقاط المعطيات الإلكترونية، قائما على مبدأ الحظر والاستثناء المعلل والخاضع لرقابة قضائية مشددة، مع إقرار جزاءات زجرية لحماية سرية الاتصالات. وفي إطار ترشيد اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، عزز القانون بدائل الحرمان من الحرية، خاصة الوضع تحت المراقبة القضائية والمراقبة الإلكترونية، باعتبارها أدوات حديثة تقوم على المراقبة الذكية بدل الإيداع في السجن، بما يعكس تحولا في الفلسفة الإجرائية نحو عدالة جنائية أكثر فعالية وتوازنا، قادرة على مواكبة التحول الرقمي دون المساس بجوهر ضمانات المحاكمة العادلة.

يشكل مبدأ المحاكمة العادلة أحد الأعمدة الأساسية للعدالة الجنائية، باعتباره الإطار الضامن للتوازن بين سلطة الدولة في العقاب وحقوق الأفراد وحرياتهم، وهو مبدأ يجد سنده في الدستور كما في المواثيق الدولية، ولاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي كرس جملة من الضمانات الإجرائية، من قبيل حقوق الدفاع، والمواجهة، والحضورية، وعلنية الجلسات، وحق مناقشة الشهود والخبراء، وحق الطعن في الأحكام. غير أن التحول الذي أحدثه القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية، من خلال التوسع في اعتماد الوسائل الإلكترونية والرقمية في البحث والتحقيق والمحاكمة، أعاد طرح إشكالية مدى ملاءمة هذه الوسائل مع جوهر المحاكمة العادلة، ليس من زاوية شكلية تتعلق بسلامة الإجراءات فحسب، بل من زاوية موضوعية تمس طبيعة التفاعل القضائي ذاته. فالمحاكمة الجنائية، بخلاف غيرها من المنازعات، تقوم على تواصل إنساني مباشر يضطلع فيه القاضي بدور محوري في استجلاء الحقيقة، ليس فقط عبر ما يدلى به من أقوال أو يعرض من وسائل إثبات، وإنما أيضا من خلال ما يستخلصه وجدانيا من سلوك المتهم، وردود فعله، وطريقة إجابته، ومدى انسجام تصريحاته، وهو ما يتصل اتصالا وثيقا بمبدأ الاقتناع الصميم للقاضي الجنائي، الذي يخول له سلطة تقدير الأدلة بحرية، شريطة أن تكون قد نوقشت حضوريا وشفويا أمامه. وفي هذا السياق، يثير اللجوء إلى التقاضي عن بعد، عبر تقنية المناظرة المرئية، تساؤلات دقيقة حول مدى قدرة هذا النمط الإجرائي على توفير الشروط النفسية والتواصلية اللازمة لتشكيل القناعة الوجدانية، إذ إن الوسيط التقني، مهما بلغت جودته، يظل حائلا جزئيا دون الإدراك الكامل للعناصر غير اللفظية التي تؤثر في تقدير مصداقية الأقوال، سواء تعلق الأمر باعتراف المتهم أو بشهادة الشهود. فالاعتراف، وإن كان يخضع من حيث المبدأ للتقدير الحر للقاضي، ويشترط صدوره عن إرادة حرة وسليمة، فإن الإدلاء به عن بعد قد يصعب على القاضي التحقق من الظروف المحيطة به، ومن مدى تعرض المتهم لأي ضغط مادي أو معنوي غير ظاهر عبر الشاشة. كما أن الاستماع إلى الشهود عن بعد قد يحد من قدرة المحكمة على تقييم لغة الجسد، وتعابير الوجه، ونبرة الصوت، والتردد أو الارتباك، وهي عناصر تشكل، في الممارسة القضائية، أدوات أساسية لبناء الاقتناع الوجداني. ورغم أن التطور التقني أتاح وسائل متقدمة تضمن جودة عالية في نقل الصورة والصوت، فإن ذلك لا يلغي بالكامل الفارق القائم بين الحضور المادي والتفاعل الرقمي، خاصة في القضايا الجنائية الخطيرة التي تكون فيها الحرية أو الحياة محل نظر. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي الذي يطرحه إدماج الوسائل الإلكترونية في المسطرة الجنائية لا يكمن في مشروعيتها القانونية أو نجاعتها الإجرائية فحسب، بل في مدى قدرتها على احترام البعد الإنساني للمحاكمة الجنائية، وضمان الشروط الموضوعية لتشكل الاقتناع الصميم للقاضي، بما يحقق التوازن الدقيق بين متطلبات السرعة والفعالية من جهة، وصون جوهر المحاكمة العادلة باعتبارها ممارسة قضائية قائمة على الحضور والمواجهة والاقتناع الوجداني من جهة أخرى.
وإذا كان إدماج الوسائل الإلكترونية في المسطرة الجنائية يقدم، في الخطاب التشريعي، باعتباره رافعة لتحديث العدالة وتعزيز نجاعتها، فإن هذا الخيار لا يخلو من إشكالات قانونية عميقة، لاسيما على مستوى حماية حقوق وحريات الأفراد أثناء مراحل البحث والتحقيق. فالتوسع في استعمال التكنولوجيا، كما كرسه القانون رقم 03.23 المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، لا يثير فقط تساؤلات مرتبطة بفعاليته الإجرائية، بل يطرح، في المقام الأول، إشكالية مدى احترامه للضمانات الدستورية والاتفاقية المرتبطة بالحياة الخاصة، وسرية الاتصالات، وحقوق الدفاع. ذلك أن القراءة المتأنية لمجموعة من مقتضيات هذا القانون تكشف عن منحى تشريعي يميل إلى تعزيز سلطات الضبط والبحث الجنائي، مقابل تقليص ملموس لهوامش الحماية القانونية المخولة للأفراد، في تعارض ظاهر مع مبدأ التناسب الذي يفترض أن يحكم أي تقييد للحقوق والحريات. ويتجلى هذا التوجه بوضوح من خلال التعديلات التي مست المادة 59 من قانون المسطرة الجنائية، حيث تم توسيع صلاحيات ضباط الشرطة القضائية خلال مرحلة البحث التمهيدي بشكل يسمح بالولوج الواسع إلى الحياة الخاصة للمشتبه فيه، بل وإلى الحياة الخاصة لأفراد أسرته المقيمين معه، عبر تفتيش الأجهزة الإلكترونية، والإطلاع على المراسلات والمعطيات الشخصية والرقمية، دون تمييز دقيق بين ما يرتبط فعلا بالجريمة موضوع البحث وما يندرج ضمن المجال المحمي دستوريا. فهذه الصلاحيات، التي يمكن تفعيلها حتى في إطار جنح عادية، لا تقابلها ضمانات إجرائية كافية، ولا آليات قانونية فعالة تمكن المعني بالأمر من الحد من نطاق التفتيش أو الطعن في مشروعيته، مما يجعل الحق في الحياة الخاصة وسرية الاتصالات عرضة لانتهاك واسع وغير متناسب. ولا يقتصر هذا المساس على نطاق التفتيش فقط، بل يمتد إلى إمكانية إخضاع الأجهزة المحجوزة، بإذن من النيابة العامة، لخبرات تقنية ترمي إلى استخراج المعطيات الرقمية، بما في ذلك تلك التي تم حذفها، فضلا عن السماح بحجز كل ما يتم العثور عليه عرضا ويشتبه في ارتباطه بجرائم أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام توسيع غير مبرر لمجال البحث، قد يؤدي إلى مساءلة أشخاص أو وقائع لا علاقة لها بالجريمة الأصلية. ويكمن الإشكال هنا، لا في مبدأ التفتيش أو الحجز في حد ذاتهما، وإنما في غياب ضوابط دقيقة تستحضر مبدأي الضرورة والتناسب، وتحصر التدخل في الحدود التي تقتضيها مصلحة البحث دون المساس غير المشروع بالحياة الخاصة. وفي هذا الإطار، يبرز تعارض بنيوي بين مقتضيات القانون رقم 03.23 وفلسفة القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، الذي يقوم على مبادئ أساسية، من قبيل تحديد غرض المعالجة، والرضا، والتناسب، والخضوع لرقابة مستقلة. إذ يتجه القانون الجديد إلى توسيع استثناءات معالجة المعطيات لفائدة السلطات العمومية دون إحاطتها بضمانات بديلة فعالة، ودون رقابة حقيقية من اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، مما يفرغ هذه الحماية من محتواها، ويجعل المعطيات الشخصية، بما فيها الحساسة، عرضة للاستعمال الواسع في إطار البحث التمهيدي.
ويتعزز هذا المنحى التقييدي من خلال توسيع نطاق الجرائم المشمولة بإجراء التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد، المنصوص عليه في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية، بعدما كان هذا الإجراء محصوراً في نطاق استثنائي ضيق تبرره اعتبارات أمنية جسيمة. فالتوسع الحالي ينقل المساس بسرية الاتصالات من دائرة الاستثناء إلى دائرة القاعدة، في تعارض مع القاعدة الدستورية التي تقضي بأن تقييد الحقوق الأساسية يجب أن يظل محدودا، ضروريا، ومتناسبا مع خطورة الأفعال المعنية. ويبلغ هذا التوجه ذروته مع إدماج تقنية «الاختراق» كآلية جديدة للبحث التمهيدي، لما تنطوي عليه من مخاطر جدية تمس جوهر الحقوق والحريات، خاصة في ظل الصلاحيات الواسعة الممنوحة لضباط وأعوان الشرطة القضائية، والتي قد تصل إلى حد القيام بأفعال مجرمة في الأصل، مع إعفائهم من المسؤولية الجنائية، في مساس صريح بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن تقييد حق الدفاع في الإطلاع على الإذن الصادر بإجراء الاختراق يحرم المتهم من مناقشة مشروعية إجراء يعد من أخطر تقنيات البحث، ويجعل الرقابة القضائية اللاحقة محدودة الأثر.
أمام هذا التوسع التشريعي في استعمال الوسائل الإلكترونية، وما رافقه من تضييق على ضمانات حماية الحياة الخاصة وحقوق الدفاع، يظل التساؤل الجوهري مطروحا حول ما إذا كان القانون رقم 03.23 قد نجح في إرساء توازن حقيقي بين متطلبات الفعالية الجنائية وحماية الحقوق والحريات، أم أنه يؤسس لمنطق تشريعي جديد يجعل من الرقمنة أداة لتكريس سلطات استثنائية دائمة، على حساب المبادئ الدستورية لدولة الحق والقانون؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى