اجتماعية
أخر الأخبار

تفوق الإناث في البكالوريا.. لماذا تراجع الأولاد دراسيا؟قراءة في التحول الصامت داخل المدرسة المغربية.

بقلم:عمر المامون
مرة أخرى، حملت نتائج البكالوريا في المغرب خبرا بات مألوفا، الإناث يتصدرن نسب النجاح ولوائح التفوق. وبينما انشغل الكثيرون بالاحتفاء المستحق بالمتفوقات، مر سؤال أكثر عمقا بهدوء، لماذا تتسع الفجوة بين الجنسين داخل المدرسة المغربية؟ وهل نحن أمام تفوق طبيعي للإناث أم أمام تراجع تدريجي في علاقة الذكور بالتعليم؟
الخطأ الذي يقع فيه كثير من النقاش العمومي هو اختزال الظاهرة في ثنائية “البنات أفضل من الأولاد”. فالدراسات التربوية تؤكد أن الفوارق التعليمية لا ترتبط بالذكاء أو القدرات العقلية، بقدر ما ترتبط بعوامل اجتماعية و ثقافية ونفسية تؤثر في علاقة التلميذ والتلميذة بالمدرسة. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس لماذا تتفوق البنات، بل لماذا يبدو أن جزء من الأولاد لم يعد ينظر إلى التعليم بالقناعة نفسها التي كانت لدى الأجيال السابقة.

لقد تغير العالم بسرعة خلال العقدين الأخيرين. ففي الماضي كانت المدرسة تمثل الطريق شبه الوحيد نحو الوظيفة والاستقرار الاجتماعي، أما اليوم فقد أصبح الشباب يعيشون في فضاء رقمي مفتوح يعج بقصص النجاح السريع والثروة المفاجئة والشهرة التي تبدو في متناول الجميع. هذا التحول خلق لدى بعض المراهقين انطباعا بأن الدراسة لم تعد الطريق الأسرع لتحقيق الطموحات، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة بين بعض حاملي الشهادات. لكن اللافت أن الفتيات لم يتأثرن بهذا التحول بالدرجة نفسها، إذ ما زال التعليم بالنسبة للكثير منهن وسيلة أساسية لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، ما يجعلهن أكثر ميلا إلى الانضباط والاستثمار طويل الأمد في التحصيل الدراسي.
ولا يمكن فهم الظاهرة بعيدا عن دور الأسرة والمدرسة معا. فداخل عدد من الأسر المغربية تحظى البنات بمتابعة يومية أكثر صرامة فيما يتعلق بالدراسة، بينما يمنح الأبناء الذكور هامشا أكبر من الحرية، وهي حرية قد تتحول أحيانا إلى عامل يضعف الارتباط بالمدرسة. كما أن المؤسسة التعليمية مطالبة بدورها بطرح أسئلة جوهرية حول قدرتها على إقناع التلاميذ بجدوى ما يتعلمونه وربط المعرفة بمتطلبات المستقبل. فحين يفقد التلميذ اقتناعه بمعنى التعلم، يتحول النجاح إلى مجرد التزام مفروض بدل أن يكون مشروعا شخصيا يؤمن به.
ولا ينبغي قراءة هذه النتائج باعتبارها انتصارا لجنس على آخر. فنجاح الإناث مكسب حقيقي للمجتمع المغربي وثمرة عقود من الجهود الرامية إلى تمكين الفتاة وتوسيع فرص تعليمها. غير أن الاحتفاء بهذا النجاح لا يجب أن يحجب القلق من تعثر جزء من الذكور، لأن التحدي التنموي لا يكمن في تفوق الإناث، بل في خطر تحول فئة من الشباب إلى ضحايا للهدر المدرسي وضعف التأهيل وفقدان الثقة في قيمة المعرفة.
وتتجاوز دلالات هذه الظاهرة حدود المدرسة. فإذا استمرت الفجوة في الاتساع، فقد يشهد المغرب خلال السنوات المقبلة حضورا نسائيا أكبر في الجامعات والمناصب العليا، مقابل تراجع نسبي للذكور في بعض المسارات الأكاديمية والمهنية. ورغم أن ذلك يعكس تقدما مهما في تعليم الفتاة، فإنه يطرح في المقابل تحديات مرتبطة بالهشاشة الاقتصادية لدى فئة من الشباب، واتساع الفجوة التعليمية داخل المجتمع، وما قد يرافقها من تحولات تمس سوق الشغل والعلاقات الاجتماعية وتشكيل النخب المستقبلية.
لذلك فإن الرسالة الحقيقية التي تحملها نتائج البكالوريا ليست أن البنات أصبحن أكثر تفوقا فحسب، بل أن الأولاد يحتاجون إلى اهتمام أكبر. يحتاجون إلى أسرة تواكبهم، ومدرسة تستعيد قدرتها على الإقناع، ومجتمع يعيد الاعتبار لفكرة أن النجاح الحقيقي لا يولد من الاختصارات السريعة، بل من المعرفة والاجتهاد والتراكم. فنجاح المجتمع لا يقاس بتفوق جنس على آخر، بل بقدرته على جعل المدرسة فضاء للأمل والطموح بالنسبة للجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى