بقلم: أوتغولت حسن

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود النقاش السياسي إلى الواجهة، ليس فقط حول الأسماء و اللوائح و البرامج، و إنما حول سؤال أكثر عمقاً: هل سيكون الشباب مجرد رقم انتخابي تبحث عنه الأحزاب خلال الحملات، أم أنهم سيقررون أن يكونوا جزءاً من صناعة القرار؟
السؤال ليس عابراً، لأن الانتخابات لا تختزل في يوم الاقتراع، و لا تنحصر في صناديق تُفتح ثم تُغلق، بل تمثل إحدى أهم المحطات التي يمارس من خلالها المواطن حقه في اختيار من يمثله و يتولى تدبير الشأن العام.
و في هذا السياق، تبدو مشاركة الشباب أكثر من مجرد خيار، إنها حاجة حقيقية لتجديد الحياة السياسية، و إعادة بناء الثقة بين المواطن و المؤسسات، و إفساح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على تقديم أفكار و حلول تستجيب للتحولات التي يعرفها المجتمع.
الشباب.. من متلقي الوعود إلى صانع القرار
ظل الشباب، على امتداد الاستحقاقات الانتخابية، في قلب الخطاب السياسي. و ارتبطت صورته دائماً بوعود تتعلق بالتشغيل و التعليم و الصحة ووالسكن و الرياضة و الثقافة.
لكن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الحديث عن الشباب، بل في إشراكهم فعلياً في صناعة القرار.
فالشاب المغربي اليوم لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومة، إنه يتابع و يناقش و يقارن و ينتقد و يطرح الأسئلة، و أصبح بفضل وسائل التواصل الاجتماعي أكثر قدرة على مراقبة النقاش العمومي و التفاعل مع القضايا المحلية و الوطنية.
غير أن قوة هذا الوعي لا ينبغي أن تتوقف عند حدود العالم الإفتراضي.
المطلوب هو تحويل النقاش إلى مشاركة فعلية، و الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، و من انتقاد الواقع إلى المساهمة في تغييره بالوسائل الديمقراطية و المؤسساتية.
الإنتخابات ليست موسم الوعود
مع كل استحقاق انتخابي، تتكاثر الشعارات و البرامج، و يعود بعض المرشحين إلى الأحياء ووالقرى و المناطق التي قد لا يطرقون أبوابها إلا في موسم الإنتخابات.
و هنا تبرز مسؤولية المواطن، و خاصة الشباب، في التعامل مع الإستحقاقات الانتخابية بوعي و مسؤولية.
فالسؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: من أعرف؟ و من ينتمي إلى محيطي؟ بل: من يمتلك الكفاءة؟ من يقدم برنامجاً واقعياً؟ من يستطيع الدفاع عن مصالح المواطنين؟ و من يملك القدرة على تحمل المسؤولية؟
إن الصوت الانتخابي ليس مجرد ورقة توضع داخل صندوق، وإنما اختيار تترتب عنه مسؤوليات وقرارات قد تؤثر في حياة المواطنين ومستقبل المدن والجماعات لسنوات.
العزوف السياسي.. رسالة لا ينبغي تجاهلها
لا يمكن الحديث عن المشاركة السياسية دون التوقف عند ظاهرة العزوف، خصوصاً في صفوف الشباب.
و قد تكون أسباب ذلك متعددة، من فقدان الثقة إلى الشعور بعدم جدوى المشاركة، مروراً بضعف التواصل السياسي أو عدم الاقتناع بقدرة بعض الفاعلين على إحداث التغيير.
لكن معالجة العزوف لا تكون فقط بدعوة الشباب إلى التصويت، و إنما بإعادة بناء الثقة. و الثقة لا تُبنى بالشعارات، و إنما بالممارسة، عبر الوفاء بالالتزامات، و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و الإستماع إلى المواطنين، و فتح المجال أمام الكفاءات، و تعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام.
الأحزاب السياسية أمام امتحان حقيقي
إذا كان الشباب مطالبين بالمشاركة، فإن الأحزاب السياسية مطالبة بدورها بتحويل هذه المشاركة من شعار انتخابي إلى ممارسة فعلية، فلا ينبغي أن يتم استدعاء الشباب فقط خلال الحملات الانتخابية لحشد الأصوات، ثم يغيبون عن مواقع القرار و التدبير.
إن تجديد النخب السياسية يمر عبر فتح المجال أمام الكفاءات الشابة، و توفير فرص حقيقية للتكوين و التأطير و المشاركة و الترشح و تحمل المسؤولية. و في المقابل، فإن الشباب أنفسهم مطالبون بإثبات أن حضورهم السياسي لا يقوم على البحث عن المناصب، و إنما على الكفاءة و النزاهة و الالتزام و خدمة الصالح العام. المشاركة السياسية لا تعني الاتفاق من الخطأ اختزال المشاركة السياسية في الانتماء إلى هذا الحزب أو ذاك.
الديمقراطية تقوم على التعدد و الاختلاف و تباين الرؤى، لكن الاختلاف السياسي ينبغي ألا يتحول إلى خصومة شخصية أو صراع اجتماعي.
من حق المواطن أن يختار، و من حقه أن ينتقد، و من حقه أيضاً أن يغير موقفه و اختياره.
لكن الأهم أن يمارس هذه الحقوق في إطار الاحترام و القانون و المؤسسات.
الشباب قادرون على صناعة التغيير
الاستحقاقات الانتخابية المقبلة يمكن أن تكون محطة لإعادة بناء علاقة جديدة بين الشباب و السياسة.
ليس المطلوب أن يكون كل شاب مرشحاً، و إنما المطلوب أن يكون مواطناً واعياً و مسؤولاً؛ يقرأ البرامج، يناقش المرشحين، يتابع أداء المنتخبين، يشارك في الحياة العامة، و يمارس حقه في الاختيار بعيداً عن الضغوط و المصالح الضيقة.
كما أن المشاركة السياسية لا تبدأ يوم الاقتراع و تنتهي بإعلان النتائج، و إنما تستمر عبر مراقبة العمل المؤسساتي، و الترافع عن القضايا المحلية، و الانخراط في المجتمع المدني، و استعمال الآليات القانونية و الديمقراطية المتاحة للمواطن.
كلمة أخيرة:
إن المغرب في حاجة إلى شباب لا يكتفون بانتقاد السياسة من بعيد، و لا يحصرون اهتمامهم بالشأن العام في مواقع التواصل الاجتماعي، و إنما ينخرطون في الحياة السياسية و المدنية بروح المسؤولية. إنه يحتاج إلى شباب واعٍ، مؤمن بالمؤسسات، قادر على الاختلاف، متمسك بالقانون، و مستعد لتحمل المسؤولية. فالإستحقاقات الإنتخابية المقبلة ليست امتحاناً للمرشحين وحدهم، و إنما هي أيضاً امتحان لوعي الناخبين.
و لهذا، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الشباب هي:
لا تتركوا الآخرين يقررون مستقبلكم نيابة عنكم. شاركوا، ناقشوا، اختاروا، راقبوا، و حاسبوا بالوسائل الديمقراطية و القانونية.
فالمستقبل لا يُمنح، و إنما يُصنع بالمشاركة، و الديمقراطية لا تقوى إلا بمواطنين يؤمنون بأن صوتهم مسؤولية، و أن حضورهم في الحياة العامة جزء من بناء الوطن.




