بقلم: أوتغولت حسن
قد تبدو أرقام الصحة جميلة في التقارير، وقد تبدو التغطية الصحية إنجازا كبيرا على الورق، لكن المواطن لا يفتح قانون المالية عندما يمرض، ولا يبحث عن رقم في تقرير رسمي عندما يحتاج إلى طبيب. هو فقط يطرح سؤالا بسيطا: أين سأجد العلاج؟
هنا بالضبط يبدأ الامتحان الحقيقي لأي سياسة صحية.
خلال السنوات الخمس الماضية، شهد المغرب إصلاحات مهمة في مجال الحماية الاجتماعية، وتوسعت التغطية الصحية، وارتفعت الميزانية المخصصة لقطاع الصحة، وأُطلقت مشاريع لإعادة تنظيم المنظومة الصحية.
لكن المواطن، في المقابل، ما يزال يصطدم بأسئلة يومية مؤلمة: لماذا الانتظار الطويل؟ لماذا غياب بعض التخصصات؟ لماذا يضطر مريض إلى السفر من إقليم إلى آخر بحثا عن العلاج؟ ولماذا تتحول بعض الأمراض إلى عبء مالي ثقيل على الأسرة؟
هنا تظهر المسافة بين الإصلاح كما يُكتب في الأوراق، والإصلاح كما يعيشه المواطن.
فالتغطية الصحية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. بطاقة التأمين لا تصنع طبيبا، ولا توفر سريرا، ولا تختصر موعدا، ولا توفر دواء غير موجود.
والقطاع الصحي العمومي، الذي يفترض أن يكون الملاذ الأول للمواطن، ما يزال بحاجة إلى مزيد من الموارد البشرية والتجهيزات والتخصصات، وإلى عدالة أكبر في توزيعها بين المدن والمناطق القروية والجبلية والنائية.
كما أن الطبيب والممرض والتقني ليسوا مجرد أرقام في جداول الوظيفة العمومية؛ إنهم العمود الفقري لأي إصلاح صحي. فإذا كان مهني الصحة يعمل تحت ضغط كبير، وفي ظروف صعبة، فإن المواطن سيكون أول من يدفع ثمن ذلك.
لذلك، فإن السؤال اليوم لا ينبغي أن يكون فقط: كم أنفقنا على الصحة؟
بل: ماذا حصل المواطن مقابل ما أنفقناه؟
هل أصبح ينتظر أقل؟
هل أصبح يجد الطبيب بسهولة أكبر؟
هل أصبح الدواء في متناول الأسر؟
هل تقلصت الفوارق بين المدينة والقرية؟
وهل أصبح المستشفى العمومي أكثر قدرة على استقبال المرضى وعلاجهم؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش العمومي ونحن نقترب من انتخابات 2026.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات، وإنما إلى تعاقد واضح مع المواطن: أهداف محددة، آجال معلنة، موارد مرصودة، ونتائج قابلة للقياس والمحاسبة.
ومن حق الحكومة أن تعرض ما حققته، ومن حق المعارضة أن تنتقد وتقدم البدائل، لكن الأهم أن يكون المواطن هو الحكم.
لأن المواطن لا يريد مستشفى جميلا في الصور فقط، بل يريد مستشفى يجد فيه الطبيب عندما يحتاج إليه.
لا يريد بطاقة تغطية صحية يحملها في جيبه فقط، بل يريد أن يشعر بقيمتها عندما يمرض.
لا يريد أن يسمع عن الدولة الاجتماعية في الخطب، بل يريد أن يلمسها في المستشفى والصيدلية ومركز الصحة وفي حياته اليومية.
وفي نهاية المطاف، قد تختصر كل النقاشات والأرقام والتقارير في سؤال واحد:
عندما يمرض مغربي بسيط في منتصف الليل، هل يجد الدولة إلى جانبه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام إصلاح حقيقي.
أما إذا بقي المواطن مضطرا للبحث عن طبيب، أو دواء، أو موعد، أو مؤسسة صحية خارج منطقته، فإن الطريق نحو الحق الفعلي في العلاج ما يزال طويلا.
فالمرض لا ينتظر الانتخابات، والمواطن لا يحتاج إلى وعود عندما يتألم.
الصحة ليست امتيازا، وليست حظا… الصحة حق…




