اجتماعية
أخر الأخبار

الخميسات.. حين تصبح الشوارع ملاذاً لمرضى يحتاجون إلى الرعاية.. فمن يحمي سكان العاصمة الزمورية؟

الخميسات – حسن أوتغولت

لم يعد مشهد أشخاص يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية وهم يتجولون في شوارع وأزقة مدينة الخميسات أمراً عابراً يمكن تجاهله أو التعامل معه باعتباره مجرد ظاهرة اجتماعية عادية، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه بقوة على المشهد اليومي للعاصمة الزمورية، ويطرح أسئلة محرجة حول الرعاية الصحية والاجتماعية، وحول مسؤولية مختلف المتدخلين في حماية هؤلاء الأشخاص وحماية المواطنين في الوقت نفسه.

ففي عدد من شوارع المدينة، يلاحظ المواطنون بشكل متكرر وجود أشخاص يعيشون في ظروف صعبة، بعضهم يفترش الأرض، وبعضهم يتجول لساعات طويلة في الشوارع، فيما تبدو على حالات معينة علامات اضطراب نفسي واضح، الأمر الذي يثير مخاوف الأسر والمارة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص يكونون في حالة هيجان أو فقدان للسيطرة على السلوك.
لكن خلف هذا المشهد توجد مأساة إنسانية أكبر.
إنسان مريض يعيش في الشارع لا يحتاج فقط إلى الإبعاد عن الفضاء العام، وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى العلاج والرعاية والحماية والإيواء.
وفي المقابل، فإن المواطن أيضاً من حقه أن يعيش في بيئة آمنة، وأن يشعر بأن هناك مؤسسات قادرة على التدخل عندما تتحول بعض الحالات إلى مصدر خطر على أصحابها أو على الآخرين.
بين الحق في العلاج وحق المواطن في الأمن
المقاربة الأمنية وحدها لا يمكن أن تكون جواباً على ظاهرة ذات أبعاد صحية واجتماعية وإنسانية، كما أن تجاهلها بدعوى احترام الحقوق والحريات لا يمكن أن يكون حلاً.
المطلوب هو تدخل مؤسساتي منسق يجمع بين المصالح الصحية والسلطات المحلية والمصالح الاجتماعية والجماعة الترابية، مع إشراك الأسر، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، وكل جهة يمكن أن تساهم في التكفل بهذه الحالات.

فإذا كان الشخص في حاجة إلى علاج، فمن حقه أن يحصل عليه.
وإذا كان بدون مأوى أو أسرة تتكفل به، فمن حقه أن يجد مؤسسة تحميه من التشرد والاستغلال والعنف.
وإذا كانت حالته تشكل خطراً على نفسه أو على المحيطين به، فمن واجب الجهات المختصة التدخل وفق القانون وبما يحفظ كرامته وحقوقه.
الخميسات.. هل هناك إحصاء للحالات؟
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح هو: كم عدد الأشخاص الذين يعيشون في شوارع الخميسات وهم في وضعية نفسية أو عقلية صعبة؟
وهل توجد قاعدة معطيات دقيقة حول وضعيتهم الاجتماعية والصحية؟
وهل يتم البحث عن أسرهم؟
وهل توجد آلية واضحة للتدخل في الحالات المستعجلة؟
وهل يتم التنسيق بين المصالح الصحية والسلطات المحلية والمصالح الاجتماعية من أجل ضمان استمرارية التكفل؟
أسئلة كثيرة، لكنها مشروعة، خصوصاً أن ترك هذه الحالات تتجول في الشوارع دون علاج أو مواكبة لا يخدم المصلحة العامة، ولا يخدم هؤلاء الأشخاص أنفسهم.
من يحمي سكان العاصمة الزمورية؟ ومن يحمي هؤلاء المرضى؟
السؤال لا ينبغي أن يكون موجهاً ضد الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية، فهم في نهاية المطاف مواطنون لهم حقوق وكرامة، وإنما ينبغي أن يكون موجهاً نحو منظومة التكفل التي يفترض أن تمنع تحول الشارع إلى فضاء دائم للمرض والتشرد.
فالشارع ليس مستشفى.
والرصيف ليس مركزاً للإيواء.
والشرطة ليست بديلاً عن الطبيب أو الأخصائي النفسي أو مؤسسة الرعاية الاجتماعية.
ومن غير المقبول أن يظل شخص يعاني من اضطراب نفسي حاد معرضاً للبرد والجوع والعنف والاستغلال، في الوقت الذي يبقى فيه المواطنون أيضاً أمام حالات قد تكون غير متوقعة السلوك.
نداء من أجل تدخل مسؤول
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب الانتقال من التدخل المناسباتي إلى خطة محلية واضحة تقوم على رصد الحالات، وتقييم وضعيتها الصحية والاجتماعية، والتنسيق مع الأسر، وتوفير العلاج والإيواء للحالات التي تحتاج إلى ذلك، مع ضمان التدخل القانوني والإنساني في الحالات التي تستدعي حماية عاجلة.
كما أن المجتمع المدني والهيئات الحقوقية والإعلام المحلي مدعوون إلى المساهمة في إثارة هذا الملف، ليس بهدف التشهير بالأشخاص أو التنكيل بهم، وإنما بهدف الدفاع عن حقهم في الكرامة والعلاج، والدفاع في الوقت نفسه عن حق السكان في الأمن والطمأنينة.
الخميسات لا تحتاج إلى إخفاء الظاهرة، بل تحتاج إلى معالجتها.
فترك المريض في الشارع لا يحل المشكلة، وترحيله من مكان إلى آخر لا يعني التكفل به، والتعامل معه فقط باعتباره مصدر إزعاج لا يعالج أصل المأساة.
إن العاصمة الزمورية بحاجة إلى مقاربة إنسانية ومؤسساتية حقيقية، تحفظ كرامة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية، وتضمن في الوقت نفسه سلامة المواطنين.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجهات المعنية:
من يتحمل مسؤولية التكفل بهذه الفئة؟ وهل تمتلك الخميسات آلية حقيقية لحماية هؤلاء الأشخاص وحماية سكانها في آن واحد؟
أسئلة تنتظر أجوبة واضحة، لأن الشارع لا يمكن أن يكون بديلاً عن العلاج، ولا يمكن أن تتحول معاناة المرضى إلى خطر دائم على المجتمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى