بين غياب التصريح بالضمان الاجتماعي، و الخوف من المطالبة بالحقوق، و استمرار بعض مظاهر الاستغلال
بقلم: حسن أوتغولت

يُعد الحق في العمل اللائق أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها أي مجتمع يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية و التنمية المستدامة. و قد حرص دستور المملكة المغربية على صيانة كرامة الإنسان، و ربط التنمية الاقتصادية بحماية الحقوق الاجتماعية، كما جاءت مدونة الشغل لتؤسس لعلاقة متوازنة بين المشغل و الأجير، قائمة على احترام القانون و حفظ الحقوق و الواجبات.
غير أن الواقع الذي تعيشه شريحة من اليد العاملة بإقليم الخميسات، خاصة في المقاهي و المطاعم و المحلات التجارية و محلات غسل السيارات و بعض الأنشطة الحرة، يكشف عن وجود تحديات حقيقية تستدعي الوقوف عندها، ليس من أجل التشهير أو الاتهام، و إنما من أجل فتح نقاش مسؤول حول أوضاع فئة تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يكون التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التزامًا قانونيًا، لا يزال عدد من العمال، وفق شهادات متطابقة، يزاولون أعمالهم لسنوات دون أي تصريح، الأمر الذي يحرمهم من التغطية الصحية، و التعويضات العائلية، و التقاعد، و التعويض عن حوادث الشغل، و يجعلهم في مواجهة مستقبل مجهول بمجرد المرض أو العجز أو فقدان العمل.
و تزداد الصورة قتامة عندما يحاول العامل المطالبة بحقه، إذ يجد نفسه، في بعض الحالات، أمام خيارين أحلاهما مر: إما الصمت حفاظًا على لقمة العيش، و إما المجازفة بفقدان عمله. و يؤكد عدد من المتتبعين أن الخوف من الانتقام أو الطرد يجعل الكثير من العمال يتجنبون الإدلاء بالحقيقة أمام الجهات المكلفة بالمراقبة، خاصة عندما يكون المشغل حاضرًا أثناء عملية التفتيش.
و رغم الجهود التي تبذلها مفتشية الشغل من خلال الزيارات الميدانية، فإن الوصول إلى الحقيقة قد لا يكون دائمًا أمرًا يسيرًا. إذ تشير إفادات متداولة إلى أن بعض المشغلين قد يقدمون العمال على أنهم التحقوا بالعمل حديثًا، و هو ما قد يصعب التحقق من مدة اشتغالهم الفعلية إذا لم تتوفر وسائل إثبات أخرى.
و من هنا، فإن فعالية المراقبة تقتضي اعتماد آليات أكثر نجاعة، من بينها الاستماع إلى العمال بشكل منفرد و في سرية تامة، و مطابقة تصريحات المشغل مع الوثائق و السجلات القانونية، و. القيام بزيارات مفاجئة، و تعزيز حماية المبلغين عن المخالفات، حتى يتمكن العامل من الإدلاء بأقواله بحرية و دون خوف من أي انتقام.
و في محلات غسل السيارات، تبرز ممارسات تثير العديد من علامات الاستفهام، حيث يتحمل العامل، في بعض الحالات، تكاليف أي ضرر يلحق بسيارة الزبون، أو يُطلب منه إصلاح معدات العمل المعطلة على نفقته الخاصة، رغم أن الأصل القانوني يقضي بأن توفير وسائل العمل و ضمان سلامتها يدخل ضمن مسؤوليات المشغل، و ليس الأجير.
أما إذا تعرض العامل لحادثة شغل، فإن معاناته قد تتضاعف، إذ يجد نفسه في بعض الحالات دون تصريح بالحادث أو مواكبة قانونية أو تعويض، و هو ما يتنافى مع فلسفة التشريع الاجتماعي المغربي، الذي جاء أساسًا لحماية الطرف الأضعف في العلاقة الشغلية.
إن مدونة الشغل المغربية لم توضع عبثًا، بل جاءت لضمان التوازن داخل سوق الشغل، و حماية كرامة العامل، و ضمان استقرار المقاولة في الوقت نفسه. فاحترام ساعات العمل القانونية، و التصريح بالأجراء، و أداء الأجور المستحقة، و توفير شروط السلامة، و التصريح بحوادث الشغل، ليست امتيازات يمنحها المشغل متى شاء، و. إنما التزامات قانونية يفرضها القانون.
إن بناء اقتصاد قوي لا يكون باستغلال اليد العاملة، و. إنما بالاستثمار فيها، و حماية حقوقها، لأن العامل الذي يشعر بالأمان و الكرامة يكون أكثر إنتاجًا، و أكثر إخلاصًا لعمله، و أكثر مساهمة في التنمية.
و يبقى الأمل معقودًا على تعزيز دور مفتشية الشغل، و تكثيف حملات المراقبة، و تفعيل المقتضيات القانونية في حق كل من يثبت إخلاله بحقوق الأجراء، مع توفير الحماية القانونية لكل عامل يختار سلوك الطرق القانونية للمطالبة بحقوقه.
فالعامل ليس رقمًا في سجل، و لا آلة للإنتاج، بل هو إنسان كرّمه الله، و صان الدستور المغربي حقوقه، و أقرت القوانين الوطنية و الاتفاقيات الدولية حقه في العمل اللائق و الكرامة و العدالة الاجتماعية. و حين تُحترم هذه المبادئ، يربح الجميع: العامل، و المشغل، و الوطن.




