وطنية
أخر الأخبار

عمال المقاهي بالخميسات.. خلف فنجان القهوة معاناة تُعاش في صمت

الخميسات – خاص
قد يبدو المشهد عادياً داخل مقاهي مدينة الخميسات؛ زبون يجلس إلى طاولته، ونادل يتحرك بين الطاولات حاملاً الطلبات، وأجواء توحي بأن كل شيء يسير بشكل طبيعي.
لكن خلف هذا المشهد اليومي، توجد فئة من العمال تعيش، بحسب إفادات ومعطيات متداولة، ظروفاً مهنية صعبة، في صمت غالباً، خوفاً من فقدان مصدر رزقها.
إنهم عمال المقاهي والنادلون والمساعدون، الذين يقضون ساعات طويلة في خدمة الزبناء، فيما تظل أسئلة الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني وظروف العمل مطروحة بقوة.
ساعات طويلة.. والجسد يدفع الثمن
من أبرز ما يثير الانتباه في وضعية بعض عمال المقاهي، الحديث عن ساعات عمل طويلة قد تصل إلى 12 ساعة يومياً، خصوصاً في المقاهي التي تعرف نشاطاً متواصلاً من الصباح إلى ساعات متأخرة.
وبعيداً عن الأرقام، فإن السؤال الحقيقي هو:
هل يحصل العامل على حقوقه القانونية كاملة مقابل هذه الساعات؟ وهل يتم احتساب الساعات الإضافية وفق المقتضيات الجاري بها العمل؟
فالعامل ليس مجرد شخص يقف خلف آلة القهوة أو يحمل صينية بين الطاولات، وإنما أجير له حقوق وواجبات، ويستحق ظروف عمل تحفظ كرامته وصحته.
عندما يصبح المرض تهديداً لمصدر الرزق
المرض بالنسبة لأي عامل يمكن أن يكون ظرفاً عابراً، لكن بالنسبة لبعض عمال المقاهي، قد يتحول إلى مصدر قلق حقيقي.
وتتحدث إفادات عن حالات يتم فيها الاستغناء مؤقتاً عن العامل المريض وتعويضه بعامل آخر، الأمر الذي يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى استفادة هؤلاء المستخدمين من الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والحقوق المرتبطة بالتوقف عن العمل.
فالعامل الذي يقضي ساعات طويلة في خدمة الزبناء، أليس من حقه أن يشعر بالأمان عندما يمرض؟
لا CNSS.. ولا حماية اجتماعية؟
من أكثر الملفات حساسية مسألة التصريح بالعمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
فإذا كان العامل غير مصرح به، فإنه قد يجد نفسه في وضعية هشّة أمام المرض أو حوادث الشغل أو المستقبل المهني.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد إجراء إداري، بل بحق اجتماعي له انعكاسات مباشرة على حياة العامل وأسرته.
وفي المقابل، من المهم التأكيد أن الحديث لا يعني اتهام جميع أرباب المقاهي، إذ توجد مؤسسات ومهنيون يحرصون على احترام القانون والتصريح بمستخدميهم، وإنما يتعلق الأمر بضرورة الوقوف على الحالات التي قد تعرف اختلالات، والتأكد منها عبر الجهات المختصة.
فاتورة الزبون على حساب النادل؟
ومن الممارسات التي يشتكي منها بعض العاملين، تحميل النادل قيمة المشروب أو الطلب الذي لم يؤده الزبون.
وهنا تبرز إشكالية تستحق النقاش:
هل يجوز أن يتحول العامل إلى ضامن لزبون غادر دون أداء الفاتورة؟
إن تحميل العامل خسائر مالية من أجره بسبب تصرف صادر عن شخص آخر، إن ثبت وقوعه، يفتح الباب أمام أسئلة قانونية ومهنية تستوجب التحقق والمعالجة وفق القانون.
فالنادل مسؤول عن تقديم الخدمة، لكنه ليس بالضرورة مسؤولاً عن الملاءة المالية لكل زبون يجلس إلى الطاولة.
عندما يحضر مفتش الشغل.. يصمت العامل
لعل المفارقة الأكثر إثارة للانتباه تتمثل في أن بعض العمال، حسب إفادات متداولة، يشعرون بالخوف عندما يحضر مفتشو الشغل.
ليس لأنهم يرفضون التفتيش، وإنما لأن العامل قد يخشى أن يؤدي حديثه عن ساعات العمل الحقيقية أو ظروف اشتغاله إلى مشاكل مع المشغل، وربما إلى فقدان مصدر رزقه.
وهنا تظهر أهمية التفتيش ليس فقط باعتباره عملية مراقبة، وإنما باعتباره أيضاً آلية لحماية حقوق الأجراء والاستماع إليهم في ظروف تضمن لهم حرية التعبير عن وضعيتهم المهنية.
ومساعد النادل.. ماذا عن حقوقه؟
إذا كان النادل يواجه صعوبات، فإن وضعية مساعد النادل قد تكون أكثر هشاشة.
فبعض هؤلاء يدخلون سوق العمل في سن مبكرة، ويقبلون بأي فرصة متاحة من أجل توفير دخل بسيط، الأمر الذي يجعلهم أحياناً أقل قدرة على المطالبة بحقوقهم أو السؤال عن التصريح والتغطية الاجتماعية وساعات العمل.
إنها فئة تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والمراقبة، لأن هشاشة الوضع الاجتماعي لا ينبغي أن تتحول إلى باب لاستغلال اليد العاملة.
القضية ليست ضد أرباب المقاهي
ومن المهم هنا التأكيد أن طرح هذه الملفات لا يعني وضع جميع أرباب المقاهي في خانة واحدة.
فالكثير من المهنيين يشتغلون في إطار قانوني، ويحترمون مستخدميهم، ويوفرون لهم ظروفاً مهنية لائقة.
لكن وجود شكايات أو إفادات حول حالات مخالفة يستوجب التحقق المؤسساتي، لا التعميم، كما يستوجب فتح نقاش هادئ ومسؤول حول واقع الشغل داخل هذا القطاع بمدينة الخميسات.
فالهدف ليس الإضرار بالمهنيين، وإنما حماية العامل، وفي الوقت نفسه حماية المقاولة والمقهى الذي يلتزم بالقانون من المنافسة غير العادلة.
من يحمي العامل الصامت؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
من يحمي العامل الذي يخشى الحديث عن حقوقه؟
ومن يراقب ساعات العمل الحقيقية؟
ومن يتأكد من التصريح الفعلي بالعمال لدى CNSS؟
ومن يتحقق من ظروف عمل مساعدي النادل؟
ومن يضمن عدم تحميل العامل خسائر ناتجة عن عدم أداء بعض الزبناء؟
إنها أسئلة لا ينبغي أن تبقى مجرد حديث داخل المقاهي، وإنما تستحق أجوبة من الجهات المختصة، كل في حدود اختصاصه.
كرامة العامل قبل كل شيء
إن مدينة الخميسات، وهي تعرف نشاطاً اقتصادياً متنوعاً، تحتاج أيضاً إلى ثقافة مهنية تقوم على احترام القانون، وحماية الأجير، وتشجيع المشغل الملتزم، ومحاربة كل أشكال الاستغلال إن ثبتت.
فوراء كل فنجان قهوة، هناك شخص يعمل.
وراء كل صينية يحملها النادل، ساعات من الوقوف والتعب.
وراء كل ابتسامة يقدمها للعابرين، عامل يحتاج هو أيضاً إلى من يحمي حقوقه ويضمن كرامته.
المطلوب اليوم ليس التشهير ولا إصدار الأحكام، وإنما فتح تحقيق مهني وميداني مسؤول، والاستماع إلى العمال والمشغلين والجهات المختصة، حتى يعرف الرأي العام حقيقة ظروف العمل داخل المقاهي بمدينة الخميسات.
لأن احترام العامل لا يقل أهمية عن جودة الخدمة، والقانون ينبغي أن يكون مظلة تحمي الجميع: العامل، والمشغل، والزبون.
بقلم: أوتغولت حسن
كاتب وحقوقي ومدون صحفي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى